الشيخ محمد رشيد رضا
44
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
لَكُمْ قِياماً » ( راجع ص 379 ج 4 تفسير ) وكل المحرمات في الاسلام ترجع إلى الاخلال بحفظ الأصول الكلية الواجب حفظها بالاجماع وهي الدين والنفس والعرض والعقل والمال والنسب . وعللوا التعبير عن قتل الانسان لغيره بقتله لنفسه بأنه لما كان يفضي إلى قتله قصاصا أو ثأرا كان كأنه قتل لنفسه . وقالوا مثل هذا القول في تفسير قوله تعالى في خطاب بني إسرائيل ( 2 : 84 وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ( 85 ) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ ) الآية . حتى أنهم قالوا في قوله تعالى لبني إسرائيل ( 2 : 54 فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ) ان المعنى ليقتل كل منكم نفسه بالبخع والانتحار أو أمروا ان يقتل بعضهم بعضا ، وقال بعضهم ان المراد بالقتل هنا لك قطع الشهوات كما قيل من لم يعذب نفسه لم ينعمها ومن لم يقتلها لم يحبها . وقيل إن المعنى هنا لا تخاطروا بنفوسكم في القتال فتقاتلوا من يغلب على ظنكم أنهم يقتلونكم . ومن نظر في مجموع الآيات الواردة في هذا المعنى وراعى دلالة النظم والأسلوب يجزم بأن المراد بقتل الناس أنفسهم هو قتل بعضهم لبعض وان النكتة في التعبير هي ما تقدم بيانه من وحدة الأمة حتى كأن كل فرد من أفرادها هو عين الآخر وجنايته عليه جناية على نفسه من جهة وجناية على جميع الافراد من جهة أخرى ، بل علمنا القرآن أن جناية الانسان على غيره تعد جناية على البشر كلهم لا على المتصلين معه برابطة الأمة الدينية أو الجنسية أو السياسية بقوله عز وجل ( 5 : 35 مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً ) وإذا كان يرشدنا بأنه يجب علينا ان نحترم نفوس الناس بعدّها كنفوسنا فاحترامنا لنفوسنا يجب أن يكون أولى فلا يباح بحال من الأحوال أن يقتل أحد نفسه كأن يبخعها ليستريح من الغم وشقاء الحياة فمهما اشتدت المصائب على المؤمن فإنه يصبر ويحتسب ولا ينقطع رجاؤه من الفرج الإلهي ، ولذلك نرى بخع النفس ( الانتحار ) يكثر حيث يقل الايمان ، ويفشو الكفر والالحاد ، ومن فوائد الايمان مدافعة المصائب والأكدار ، فالمؤمن لا يتألم من بؤس الحياة كما يتألم الكافر فليس من شأنه أن يبخع نفسه حتى ينهى عن ذلك نهيا صريحا